عاجل

تحقيق استجداء " الحياة " بغسيل كِلية

2016-10-18 21:32:42 ( 202325) قراءة
المشاهد – متابعات - تحقيق: عبد الله حزام

علي التويتي واحد من ستة يمنيين رحلوا بصمت خلال عام واحد بسبب نقص الأدوية الخاصة بزراعة الكلى، والتي كانت تصرفها وزارة الصحة مجاناً، وعجز أسرهم عن شرائها من السوق.

لا زالت أسرته تجتر مرارة الألم كلما شاهدت التلفاز أو المذياع يبث نداء استغاثة، يتوسل المنظمات الدولية والداعمين المحليين لتوفير أدوية لزارعي الكلى، بعد أن خطف الموت ابنهم ذو الـ 23عاماً بعيداً عن رصاص الحرب.

تروي شقيقته نجوى (25 عاماً) لمعد التحقيق قصته مع الفشل الكلوي الذي داهمه مطلع العام 2013. وتقول إن حالته كانت مستقرة بعد زراعة الكلية التي تبرعت بها له في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، في ظل تناوله المنتظم لأدوية تثبيط المناعة (سيليسبت) و(بروجراف) واللذان يحولان دون رفض الجسم للكلية الجديدة.

توقفت نجوى لبرهة، وهي تدفن وجهها في خمارها الأسود ثم أردفت: “تدهورت حالته الصحية بعد اندلاع الحرب في 26مارس/آذار 2015، وانقطاع صرف الأدوية المجانية من وزارة الصحة منذ منتصف أبريل/ نيسان 2015، ما أدى إلى زيادة نسبة الكرياتينين في دمه.

 


الصورة من موقع اريج

ويؤكد الحناني أن موازنة الأدوية المنقذة للحياة- والتي بدونها يموت المريض- تصل إلى 65% (6 ملايين و153 ألف دولار) من إجمالي عام موازنة برنامج الإمداد الدوائي السنوية للعام 2015. 

بصعوبة بالغة صمد “علي” نحو ثمانية أشهر منذ اندلاع الحرب يقاوم الفشل الكلوي مجدداً، ليستسلم في نهاية المطاف لضيق ذات اليد الذي تعيشه أسرته، فعلاج “علي” كان يكلف شهرياً نحو 110 آلاف ريال (478 دولار) لشراء دواء السيليسبت والبروجراف من القطاع الخاص.

والد علي (50 عاماً) الذي يعمل حارساً لمدرسة خاصة براتب 50 ألف ريال (200 دولار) شهرياً، بالكاد يطعم أسرته المكونة من زوجة وخمس فتيات، وعلى هو الذكر الوحيد، ما جعله عاجزاً عن توفير قيمة الدواء لنجله الذي يصارع لأجل الحياة.

ووفقاً لتأكيدات طبيبه المعالج بمركز كلى مستشفى الثورة الحكومي بصنعاء، الدكتور نجيب أبو أصبع، فقد دخل “علي” بعد انقطاعه عن الدواء منذ منتصف أبريل/ نيسان 2015 في صراع مع أعراض رفض الجسم للكلية المزروعة قبل وفاته (في 28 نوفمبر/ تشرين ثاني 2015) بشهر ونصف، تنوعت بين تورم قدميه، وفقدان للذاكرة، وتجمع سوائل على الرئة، وغيبوبة لـ 15 يوماً، والأوكسجين الصناعي.

أسرة التويتي ليست وحدها من تعيش لوعة فراق ابنها لانعدام الدواء، الذي يحتاجه (1700) شخص في اليمن من زارعي الكلى مدى الحياة، وكانت توفره لهم وزارة الصحة اليمنية مجاناً، بفعل الحرب، وانخفاض المخصصات المالية لوزارة الصحة، بل واجهت عديد الحالات ذات المصير الذي واجهه علي، وأضحى بقية المرضى مهددين بالموت.

أهل عيسى لطف قاسم (30عاماً) نزل بها ذات الخطب الذي حل بأسرة علي التويتي، حيث توفي “عيسى” في أغسطس 2015، بعد زراعة كلية مطلع العام 2014.

تقول زوجته زكية (25عاماً)، القاطنة في مدينة إب (193 كيلومترا جنوب صنعاء)، أن زوجها تعطّل عن العمل بعد زراعة كليته، وما زاد الحال سوءاً “منذ أن توقف العلاج المجاني، أنّ عيسى يخفض جرعة السيليسبت إلى قرص واحد بدلاً من أربعة أقراص في اليوم بسبب صعوبة شراء الدواء والنيورال إلى (3-4 ملغم) من أصل جرعة يومية مقدارها (3-6ملغم) لعجزه عن الشراء من القطاع الخاص”.

يصف طبيبه المعالج استشاري أمراض الباطنة وزراعة الكلى بمستشفى الثورة الدكتور عبده الزكري حالته، ويقول إن عدم التزام عيسى بدواء تثبيط المناعة بشكل منتظم رفع معدل المناعة لديه، ما أدى لرفض الجسم للكلية ودخوله مرحلة فشل كلوي حاد.

قبل الحرب وبعدها

مستشفى الثورة بصنعاء، كان نافذة لصرف الدواء المجاني لـ 198 حالة منذ مايو 1998، وهو تاريخ أول زراعة للكلى في اليمن، بينما كان يستلم بقية المرضى الذين زرعوا كلى خارج اليمن الأدوية المجانية عبر الصيدلية المركزية التابعة للمستشفى الجمهوري.

يقول مشرف عام مركز الكلى بمستشفى الثورة الدكتور بسام السياني “منذ 1 سبتمبر 2014، لم تدخل مخازن المستشفى أي أدوية لزارعي الكلى، وزاد الأمر سوءاً بعد الحرب، لعدم وجود مخصصات مالية لشراء أدوية زارعي الكلى، وعدم تفهم القائمين على وزارة الصحة لحال المرضى”.

وقبل أن تصدر منه تنهيدة عميقة، يؤكد السياني أن ست حالات توفيت نتيجة نقص الدواء، وثق المركز من بينها حالتي “علي التويتي وعيسى قاسم” بينما توفيت أربع حالات بمناطق الصراع التي تشهد مواجهات مسلحة، وتحققت وفاتهم عبر مكالمات هاتفية مع ذويهم، بين شهري مايو وسبتمبر 2015.

موازنة على الورق

“برنامج الإمداد الدوائي بوزارة الصحة العامة والسكان، المعني مركزياً بتوفير أدوية المناعة، لم يحصل على ميزانية لشراء الدواء من وزارة المالية منذ منتصف 2014″، وفق مدير المشتريات والمخازن بالبرنامج، الدكتور سمير الحناني.

تضاعفت المشكلة -وفقاً للحناني- بعد شهر مارس/ آذار 2015، فميزانية البرنامج للعام ذاته 2 مليار و366 مليون ريال (9 ملايين و467 ألف دولار) حصل البرنامج منها على دفعة من وزارة المالية، مقدارها 697 مليوناً و628 ألف ريال (2 مليون و790 ألف دولار) لمواجهة جزء من مديونية سابقة للشركات الموردة للدواء منذ العام 2011، أي صرف منها ما نسبته 29% فقط.

السرير رقم (7)

مقارنة بما حدث لـ (علي وعيسى)، فإن عبير الشميري (25 عاماً)، التي تعيش في مدينة تعز (256كم جنوب صنعاء) تعد نفسها محظوظة. إذ تخضع لجلستي غسيل كلى في السرير رقم (7) بمركز غسيل المستشفى الجمهوري بصنعاء، أسبوعياً، بعد فشل زراعة كليتها للمرة الثانية في الأول من مايو 2015.

تقول “عبير” وهي تجلس على كرسي إسمنتي مستطيل في باحة المستشفى الجمهوري “طيلة خمسة أشهر لم انتظم في الجرعة الدوائية، لعدم قدرة والدي الذي يعمل في ورشة صيانة سيارات، على شراء الدواء، بعد انقطاعه عنها من المستشفى الحكومي”.

ويكلف شراء السيليسبت من الصيدليات الخاصة نحو 40 ألف ريال (170 دولاراً)، مقارنة بسعره السابق قبل الحرب 30 ألف ريال (120 دولار)، فيما بقي البروجراف ثابتاً عند 70 ألف ريال (308 دولار) كجرعة شهرية وفقاً لعبير.

الصورة من موقع اريج


منتهي الصلاحية يدخل الخدمة

عبدالقاهر الشرماني (30 عاماً) عاطل عن العمل وأحد الحالات التي رافقها معد التحقيق في زيارة الصيدلية المركزية بالمستشفى الجمهوري بصنعاء، بتاريخ 23 أبريل 2016.

أخذ عبد القاهر نفساً عميقاً، قبل أن يؤكد لمعد التحقيق وعيناه مسمرتان على النافذة المغلقة للصيدلية المركزية بالمستشفى الجمهوري بصنعاء. وردد بنبرة متثاقلة “استخدم حالياً نيورال منتهي الصلاحية حصلت عليه مجاناً من صديق زرع كلية”.

برر عبد القاهر الأمر بعدم قدرته على شرائه من السوق بـ 30 ألف ريال (120 دولار) للجرعة الشهرية. لكن استشاري الباطنة وزراعة الكلى عبده الزكري قلل من خطر أن يكون الدواء منتهي الصلاحية، وزاد بالقول: لديه فترة أمان لمدة شهر وأقصى ما ينتج عنه أنه لا يحقق نتيجة دوائية.

1700 مريض في خطر

ذات مصير هؤلاء الشبان بات يهدد نحو 1700 من زارعي الكلى في اليمن، إلى جانب 4400 مريض بالفشل الكلوي تتوقف حياتهم على الغسيل الدموي، وينتظرون توقف الحرب للبدء بعملية زراعة كلية (طبقاً لإحصاءات وزارة الصحة، وجمعية الرحمة لزارعي الكلى)، إذ يعاني أغلب الزارعين من اضطراب في نسبة الكرياتينين، لعدم تمكنهم من الانتظام في استخدام أدوية تثبيط المناعة، التي تساعد الجسم على تقبل الأعضاء والأنسجة الجديدة المزروعة في أجسادهم.

على مدى ثلاثة أشهر تتبع معد التحقيق عشر حالات، توفيت منها حالتان، والتي وثقهما معد التحقيق، فيما دخلت حالتان مجدداً مرحلة فشل كلوي، والبقية مهددة بذات المصير، طبقاً لإفادات مرضى وذويهم.

ثمانية حالات من التي قابلها معد التحقيق، طلب منها الأطباء الاستمرار على السيليسبت بواقع أربعة أقراص، والنيورال 150ملغ والبروجراف2 ملغ، كجرعة طبيعية لكل المرضى موزعة على اليوم الواحد – وفق مسؤول صرف أدوية تثبيط المناعة بالصيدلية المركزية بالمستشفى الجمهوري بصنعاء، الدكتور وليد سيف.

غير أن هؤلاء وجدوا صعوبة في شراء الدواء، “في ظل واقع أصبح فيه 80% من سكان البلاد، أو ما يمثل 20 مليوناً -من أصل 24 مليون نسمة- في عداد الفقراء، حينما اشتدت المعارك مقارنة بـ 54%” قبل الحرب حسب تقديرات مجموعة البنك الدولي في موجزها الاقتصادي الفصلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فبراير 2016.

الكارثة بالأرقام

وفقا لاستبيان وزعه معد التحقيق على عينة عشوائية من زارعي الكلى في العاصمة صنعاء مكونة من 50 مريضاً، تبين أن 80% يواجهون صعوبة مالية في الحصول على الدواء، مقابل 8% يتاح لهم الحصول عليه عبر مسافرين من أقارب لهم في السعودية والأردن، و12% يحصلون عليه من جمعيات وفاعلي خير.

فيما جميع أفراد العينة ومثلهم بقية المرضى يستخدمون (سيليسبت، مع نيورال أوبروجراف) كأدوية أساسية موصى بها طبياً.

ويظهر لاستبيان معد التحقيق أن 32% منهم غير قادرين على الاستمرار في شراء الدواء، فيما 58% يستطيعون مؤقتاً شراء الدواء البديل الذي تصنعه شركات أخرى أجنبية غير الشركة الأم، ويقل سعره عن سعر دواء الشركة الأم بما مقداره 10% كحد أدنى، طبقا لتأكيد مالك صيدلية الرازي بحي عصر السفلى بصنعاء الدكتور هاني الأصبحي.

ووفقاً للاستبيان، فإن بقية أفراد العينة ويمثلون 10% يحصلون على الدواء بصعوبة من السوق السوداء ومن أقارب لهم في الخارج أو جمعيات وفاعلي خير لكنهم أكدوا في الوقت عينه عدم قدرتهم مستقبلاً الاستمرار في شراء الدواء المطلوب مدى الحياة.

ويصف استشاري الكلى والمسالك البولية، ونائب مدير مركز الكلى بمستشفى الثورة بصنعاء، الدكتور نجيب أبو أصبع، النسب التي كشفها الاستبيان بـ “الكارثية”، لأن انقطاع المريض عن الدواء يرفع مناعته، ما يؤدي إلى رفض الجسم للكلية وتراكم الكرياتينين في الدم.

على باب المنظمات

أمام هذا الوضع المتفاقم، تعوّل وزارة الصحة على المنظمات الدولية، من خلال نداءات استغاثة متوالية، وصلت إلى ستة نداءات بثتها وسائل الإعلام المحلية تباعاً منذ اندلاع الحرب، آخرها كان في 20/ يونيو/حزيران 2016 وترافق مع كتابة التحقيق.

معد التحقيق بعث برسالة الكترونية لمنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي في 12 يوليو 2016 لمعرفة حجم الدعم المقدم لزارعي الكلى في اليمن. وفي رده وصف المتحدث الصحفي للصليب الأحمر الدولي في اليمن عدنان حزام وضع أمراض الكلى “بالمتدهور” نتيجة الصراع الدائر وشح الدواء في الأسواق.

وأكد أن الصليب الأحمر زوّد وزارة الصحة العامة والسكان بنحو 250 ألف جرعة من مستلزمات مرضى الفشل الكلوي وزارعي الكلى وزارعي الأعضاء بشكل عام، موزعة على دفعتين في يوليو/تموز 2015، ويناير/كانون الأول 2016، رغم أن تركيزهم ينصب على علاج جرحى الحرب كأولوية.

الصورة  من موقع اريج

فيما أفاد ممثل منظمة الصحة العالمية الدكتور أحمد شادول، أن المنظمة وفرت أدوية لا توجد في السوق المحلية لنحو 4400 من مرضى الفشل الكلوي وزارعي الأعضاء، بينهم زارعي الكلى بما قيمته 2 مليون دولار قد تكفي لستة أشهر.

رئيس قسم الصادر بمخازن برنامج الإمداد الدوائي بوزارة الصحة د. صادق الحميدي، أكد أن الصليب الأحمر الدولي ومنظمة الصحة العالمية استجابا للنداءات، لكن بشكل جزئي، حيث زودا البرنامج في يونيو/تموز ويوليو/حزيران 2015 ويناير/كانون الأول ومارس/آذار 2016، بكميات محدودة من أدوية تثبيط المناعة (سيليسبت، نيورال، بروجراف) تكفي جميعها لثلاثة أشهر فقط.

وهو ما يؤكده أيضاً مدير المشتريات والمخازن د. سمير الحناني قائلاً: نصيب زارعي الكلى يكفي لثلاثة أشهر والبقية لزارعي أعضاء (القلب والكبد) ومستلزمات لمراكز الفشل الكلوي.

ويشير تصنيف المرضى حسب سنوات الزراعة، وفقا لبيانات توثيق المرضى لدى جمعية الرحمة الاجتماعية لزارعي الكلى، الجمعية الأهلية الوحيدة، التي أسست في 27 مارس/آذار 2004، إلى أن عدد زارعي الكلى في العام 2011 بلغ 118 حالة، وفي العام 2012 وصل إلى 148 حالة، وارتفع العام 2013 إلى 149 حالة.

واستناداً لرصد نفذته الجمعية منذ العام 2007 حتى مطلع 2014، فإن الزيادة السنوية لعدد المرضى الذين يستخدمون علاجات تثبيط المناعة، وصل إلى 14% سنوياً، فيما استقر الرقم الإجمالي لزارعي الكلى في 2015 عند 1700 مواطن زرع الكلى.

نافذة الدواء الوحيدة موصدة

الصيدلية المركزية بالمستشفى الجمهوري بصنعاء، تعد النافذة الوحيدة لصرف الدواء لــ نحو 1700 زارع كلى على مستوى الجمهورية. عقب توقف مركز الكلى بمستشفى الثورة عن إعطاء الدواء لــ 198 حالة زرعوا الكلى به، بعد أن توقفت الميزانية المخصصة للدواء من وزارة المالية بسبب الحرب.

وليد سيف دكتور صيدلي ومسؤول صرف أدوية تثبيط المناعة بالصيدلية المركزية، يقارن الكميات التي كانت تصلهم قبل الحرب بما بعدها، ويؤكد: الكميات التي وصلتنا من برنامج الإمداد الدوائي (سيليسبت ونيورال)- قدمتها منظمات دولية – تكفي لثلاثة أشهر، بينما البروجراف والرابميون انقطع تماماً منذ اندلاع الحرب، في ظل عدم وجود بديل محلي.

بالمقابل تكافح جمعية الرحمة الاجتماعية لزارعي الكلى من أجل توفير أدوية زارعي الكلى عبر فاعلي خير وشركات، لكن الكميات التي تحصل عليها لا تكفي إلا لأسابيع -وفق أمين محرم، رئيس الجمعية.

ويتهم محرم وزارة الصحة بالتقصير، لأنها على حد قوله لا توقع عقوداً طويلة الأجل تلزم الشركات الموردة بتوفير الدواء لفترات طويلة.

غير أن نائب مدير برنامج الإمداد الدوائي بوزارة الصحة العامة والسكان علي المنصور يبرر التقصير ويقول: البرنامج الجهة الوحيدة المسؤولة عن توفير أدوية زارعي الكلى ومنذ منتصف 2014 نحن بلا ميزانية، ومنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي قدمتا تعهدات بالدعم ولم تف إلا بـ 15% منها خلال العام 2015 ومطلع 2016. فيما يضطر المرضى إلى البحث عن الدواء في السوق بأسعار مرتفعة.

هيئة الدواء تشكو

بعد خمسة أشهر من التقصي، توصل معد التحقيق إلى أن شح الموارد الذي أثر على موازنة الدولة، ليس السبب الوحيد لمعاناة زارعي الكلى. فطبقاً لرئيس الهيئة العليا للأدوية الدكتور محمد المداني، فإن السوق الدوائية تعتمد بنسبة 85% من احتياجها على الاستيراد و15 % إنتاج محلي بشكل عام، في الوقت الذي لا تصنع فيه الأدوية المنقذة للحياة محلياً.

ويقول المداني: “هناك صعوبات تواجه الاستيراد أبرزها قصف ميناء الحديدة التجاري الذي يستقبل أكثر شحنات الدواء، وامتناع معظم شركات النقل عن الشحن إلى اليمن بسبب الوضع الأمني وحاجة الدواء لحاويات مبردة”.

مقارنة لحجم استيراد الأدوية بين عامي 2014-2015 بالريال (الدولار يساوي 250 ريال يمني)
الإطار (2) مقارنة لحجم استيراد الأدوية بين عامي 2014-2015 بالريال (الدولار يساوي 250 ريال يمني)

 المصدر: الهيئة العليا للأدوية

?واستنادا إلى تقرير “الوضع الدوائي في اليمن” (مارس- ديسمبر2015) الذي أعدته الهيئة العليا للأدوية، فإن عدداً من شركات الأدوية المصدرة والمستوردة، قامت برفع أسعارها بنسبة تتراوح ما بين 10-30 %.

وبين التقرير أن الشركات ترجع ارتفاع أسعار الدواء إلى زيادة تكلفة التأمين والشحن، التي وصلت إلى خمسة أضعاف بعد الحرب، إلى جانب زيادة أسعار المشتقات النفطية التي وصلت إلى 100%.

مدير عام الغرفة التجارية خالد علي، يؤكد ما ذهبت إليه الهيئة العليا للأدوية بخصوص أجور النقل، مبيناً أن أجور نقل الحاوية الواحدة من ميناء الحديدة إلى صنعاء ارتفع من 280 ألف ريال (1120 دولار)، إلى مليون و400 ألف ريال (5600 دولار).

والحال ذاته مع أجور الشحن من خارج اليمن، فأجور نقل الحاوية الواحدة 40 قدم من مصر خلال الحرب ارتفع من 1300 دولار إلى 2400 دولار وفق مدير مؤسسة زنجبيلة للأدوية مازن زنجبيلة.

الصحة تهدد

وزارة الصحة العامة والسكان، ظهرت عاجزة أمام آلاف المرضى الذين يطرقون يومياً مخازنها الخاوية على عروشها من أدوية البقاء على قيد الحياة، كالأدوية المناعية.

وكيل وزارة الصحة لقطاع الطب العلاجي الدكتور ناصر العرجلي، اتهم القائمين على وزارة المالية بغض الطرف عن المشكلة، مقابل اهتمامهم بجوانب ليست ضرورية إطلاقاً. فيما لا تستطيع وزارة الصحة فعل شيء حيال المشكلة.

وهدد العرجلي بتوجيه المرضى إلى وزارة المالية، احتجاجاً على عدم توفير أدويتهم المنقذة للحياة في حال عدم الاستجابة.

لكن خيبة الأمل تتزايد في أوساط المعنيين بوزارة الصحة، لأن مطاف تلك التهديدات، انتهى ببث قطاع الطب العلاجي التابع لوزارة الصحة رسالة (S.M.S) للمواطنين تقول: “دعمكم لأدوية الأمراض المزمنة، إحياء للنفس، للتبرع إلى حساب رقم (100811061) لدى البنك المركزي”.

المالية.. عجز تام

يعاني اليمن من ضائقة مالية غير مسبوقة، نتيجة لانكماش الموارد، واستمرار الحرب، التي تدور رحاها في مناطق عدة من البلاد منذ عام وستة أشهر.

وتعترف وزارة المالية في الوقت ذاته، على لسان مدير عام الموازنة بالوزارة محمد الشرفي، أنها تعاني من شح شديد في الموارد.

إذ يقول الشرفي: “توقف كلياً تصدير النفط والغاز الذين كانا يشكلان 65% من إيرادات الدولة، إلى جانب انكماش إيرادات الضرائب والجمارك، وانقطاع القروض والمساعدات التي تراجع حجم المسحوب منها في العام 2015 إلى 63.26 مليون دولار مقارنة بـــ 544.20 مليون دولار في العام 2014 أي بنقص 480.64 مليون دولار عما كان عليه الحال قبل الحرب. حسب تقرير قطاع المساعدات الخارجية بوزارة المالية الصادر في 26يونيو2016.

وزارة المالية، وفقا لتأكيدات الشرفي، أصدرت تعزيزات مالية بموازنة برنامج الإمداد الدوائي للعام 2015، كاملة لكن البنك المركزي رد بالاعتذار لعدم وجود سيولة، وما تم صرفه للبرنامج خلال العام ذاته (2 مليون و790 ألف دولار) لمواجهة مديونية سابقة للشركات الموردة للدواء.. كما رُصدت ذات موازنة البرنامج للعام الجاري 2016 لكنها لم تصرف نهائياً.

ويؤكد الوكيل المساعد لقطاع الموازنة بوزارة المالية علي جبر أن الشماحي، في دراسة أعدها في مايو 2016، بعنوان “الخطة النقدية (الصعوبات والمشاكل) أن “الإيرادات العامة للدولة هوت من (2 تريليون و293 مليار ريال) عام 2014، (10 مليار 655 مليون دولار) إلى (تريليون و62 مليار و700 مليون ريال) (4 مليار و642 مليون دولار) عام 2015، في أعلى نسبة انخفاض تسجله الموازنة العامة منذ سنوات، بعد توقف المنح والقروض، وتصدير النفط والغاز منذ نهاية مارس 2015.

“وفي ظل الانكماش الذي صاحب مصادر التمويل غير التضخمية في عام 2015، عجز البنك المركزي عن صرف مخصصات الجهات الحكومية من النفقات التشغيلية ومخصصات الدواء، واكتفى بصرف الرواتب التي تلتهم ما نسبته (93%) من إجمالي الإيرادات الذاتية المركزية حسب دراسة الشماحي.

الخبير الاقتصادي أحمد سعيد شماخ، يرد معضلة الموازنة إلى أن اليمن باتت مكبلة بالديون التي تجاوزت 24 مليار دولار، منها أكثر من سبعة مليارات ديون خارجية.

استمرار الحرب وعجز وزارتي المالية والصحة عن توفير مخصصات مالية لاستيراد أدوية زارعي الكلى يفاقم الأزمة ويرفع نسب وفيات المرضى الذين يصارعون المرض لأجل الحياة ويعيشون عذابات انقطاع الدواء المجاني.

شبكة (أريج) وإعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net 

 

طباعة

التعليقات

إضافة تعليق