عاجل

"ثقافة العيب" في المهن ما تزال حاضرة في اليمن

2016-07-16 22:58:59 ( 380975) قراءة
المشاهد - نجيب العدوفي

صوره من الأرشيف- عمال النظافه

ما تزال صديقة الشابة إيمان تتذكر المتاعب التي واجهت صديقتها حين قررت أن تمتهن عمل "الكوافير" وأن يكون لها مشروعها الخاص "صالون للتزين النساء"، وتقول لـ"المشاهد" إن شاب تقدم لخطبة إيمان، وكان على علم بمهنتها، وعندما قرر أن يعقد قرانه بها ويحدد موعداً للزواج علم والده أن خطيبة ابنه تعمل في مهنة "تزيين النساء" فرفض الأب أن يزوج ابنه بهذه الفتاة، وحاول الشاب أن يقنع أباه دون جدوى، ليقرر في نهاية المطاف أن يقترن بغيرها.

إيمان ضحية مجتمع تسوده ثقافة العيب للعديد من المهن، الأمر الذي يزيد من التحديات الاقتصادية ويفاقم البطالة، مهنة "الكوافير، أو ما يُعرف بتزيين النساء" قد لا تكون عيباً في عددٍ من مناطق اليمن، كمناطق في تعز وعدن وغيرها، على عكس المناطق الأكثر تشدداً في بعض المحافظات الشمالية في اليمن.

الشاب مجيب ينتمي إلى قبيلة لها مكانتها، إلا أنه لم يقف مكتوف الأيدي أمام منة الحلاقة التي وجدها بأنها الفرصة الأكثر دخلاً له، خاصة في ظل غياب فرص العمل، وإن وجدت فإن الأجور شحيحة، ويقول لـ"المشاهد": "واجهت انتقادات كثيرة من الأهل والأقارب والمجتمع ككل، وقال لي الكثير حتى أبناء عمومتي ستجني ثمار حماقتك في المستقبل، ولا يمكن لنا أن نزوج أبنائك أو نزوج أبنائنا منك".

مجيب لا يخشى هذه التهديدات أكثر من خشيته الفقر الذي يتسع نطاقه يوماً تلو الآخر، ورغم أن أبناء عمومته وأقاربه يعرفون أنه من أسرة عريقة النسب، إلا أنهم يحذرونه من المستقبل وأنه سيصبح ضمن الفئة المهمشة والمعروفة في منطقته بـ"المزاينة".

مهنٌ كثيرة تندرج ضمن مهن العيب والتي تحتم القبيلة على أبنائها عدم امتهانها، وتبقى محصورة على فئات ينظر إليها المجتمع بازدراء، وتظل هذه الفئات ضمن الفئات المهمشة، فمثلاً مهنة الحلاقة والجزارة يُطلق على من يمتهنها بأنه "مُزين" ويتعامل معه المجتمع بأنه شخص ناقص، خلافاً لمن يطلقون على أنفسهم بأنهم "قبائل" أو من طبقات أخرى كالمشائخ وغيرهم، في حين أن من يعملون في قطاع النظافة يُعدون من أكثر فئات المجتمع تهميشاً ويطلق عليهم مسمى "الأخدام" وهي تسمية عنصرية، فضلاً عن مهنة الخدمة في المنازل.

الشاب محمد قدم إلى العاصمة صنعاء من المناطق التهامية التي تُعد فقراً للعمل، إلا أنه لم يتعلم، الأمر الذي حتم عليه أن يعمل في قطاع نظافة الشوارع، وكان لبشرته السمراء دوراً أيضاً إلى جانب الأمية التي يعيشها في أن يلتحق بهذه المهنة التي ينظر إليها المجتمع اليمني بازدراء، ويصف من يعملون فيها بـ"الأخدام".

محمد وزملائه في قطاع النظافة مع الدولة يعملون بأجر يومي لا يتعدى 800 ريال في اليوم، وهو مبلغ زهيد ولا يضمن لهم تلبية متطلباتهم المعيشية في ظل ارتفاعات سعرية مستمرة، فضلاً عن أنهم عرضة للأمراض والأوبئة، خاصة أنهم يعملون في تنظيف الشوارع ورفع المخلفات بصورة بدائية، ويعمل في قطاع البلدية ما يزيد عن 40 ألف عامل نظافة جميعهم من فئة المهمشين المعروفة في اليمن بـ"الأخدام" ويعمل الكثير منهم بالأجر اليومي، في حين تم توظيف نسبة ضئيلة منهم بصورة رسمية وبراتب شهري هو الأدنى في سلم الأجور وبما يعادل 120 دولاراً في الشهر.

المهمشون في اليمن ومن تُطلق عليهم التسمية العنصرية "الأخدام" هم الأكثر معاناة، ويعمل أبناء هذه الفئة في مهن محتقره في نظر العرف الاجتماعي القبلي في اليمن، وفي أغلب المناطق اليمنية تعيش هذه الفئة معزولة اجتماعياً عن بقية فئات المجتمع، الأمر الذي جعلها الأقل مطالبة بحقوقها، أو التفكير في تحسين أوضاعها المعيشية والانخراط مع المجتمع والولوج في التعليم للرفع من مستواها والعمل في فرص أكثر أهمية في المجتمع، وفي ذات السياق يشكو -أبو وسيلة -أحد أبناء هذه الشريحة- من التمييز العنصري الذي يواجهه من المجتمع، ويشير لـ"المشاهد" إلى أن الكثير من أفراد المجتمع لا تخالطهم ولا تأكل معهم.

لا تقتصر مهن العيب على هذه المهن فقط، بل إن هناك مهن أخرى تبدو عيباً العمل فيها، خاصة في مناطق ما يُعرف بشمال الشمال اليمني، كالعمل في المطاعم، أو مهنة "الحِمَالَة"، أو مهنة البيع في الأسواق خاصة في محافظتي الجوف ومأرب والتي لا يمكن لأبناء القبائل ممارسة البيع في السوق وإنما توكل هذه المهمة لفئة ينظرون إليها بأنها أقل منهم جاهاً ومكانة.

العنصرية في اليمن من غير المرجح أن تُمحى بين عشية وضحاها، حيث ما تزال موجودة رغم انحسارها مؤخراً، فهناك ممارسات عنصرية ضد المرأة وتجاه أصحاب المهن الدنيا في المجتمع التي يُنظر إلى أصحابها بنظرة دونية، وفقاً للدكتورة نجاة جمعان -أستاذ الإدارة بجامعة صنعاء- وتتوقع أن تتراجع هذه الظاهرة إلى حد معين مع تطور اليمن في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، وتشير جمعان إلى أن هذه العنصرية لها تأثيراتها على هذه الأقليات التي تحس بأنها منبوذة وأن حقوقها منتهكة ولا تُعطى الفرص المتساوية مع بقية أفراد المجتمع، الأمر الذي يولد بعضاً من ردود الأفعال السلبية إما أن هذه الفئة تنكمش في زاوية معينة من المجتمع وبالتالي لا تساهم بشكل فاعل في التنمية أو أنها تتحول إلى جماعة متطرفة وتؤثر على المجتمع بشكل أو بآخر.

طباعة

التعليقات

إضافة تعليق