عاجل

أسطوانات الغاز..12 مليون قنبلة موقوتة في بيوت اليمنيين

2016-07-13 12:23:28 ( 364686) قراءة
صنعاء - معين النجري (نقلاً عن العربي الجديد)

توفيت الثلاثينية اليمنية نبات قبيدي، مع طفلها محمد (ست سنوات)، في انفجار مدوٍ أحدثته أسطوانة الغاز في منزلهم الواقع في قرية "الأكمة بني قبيدي" وسط محافظة ريمة 130 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة صنعاء. "قضت الأم في الانفجار مع طفلها الذكر الوحيد الذي رزقت به بعد إنجاب أربع فتيات نجين من الموت بأعجوبة، بسبب بعد غرفة نومهم عن موقع الانفجار"، كما يقول الحاج محمد حسن أحد أقرباء الأسرة المنكوبة.

ورغم الجروح الطفيفة التي أحدثها انفجار أسطوانة الغاز على أجسادهن، إلا أن رحيل والدتهن وشقيقهن الوحيد، خلّف في قلوبهن جروحاً عميقة لم تندمل بعد مرور سنة على الحادث الذي وقع في 7 آذار/ مارس 2015.

ما حدث لهذه العائلة يمكن أن يتكرار في أي دقيقة، إذ تعج السوق المحلية في اليمن بأسطوانات غاز منزلي غير صالحة للاستخدام، إما لانتهاء عمرها الافتراضي، أو لسوء الاستخدام، أو لرداءة المنتج، كما يكشف التحقيق، في ظل عجز الشركة اليمنية للغاز "الجهة الحكومية المسؤولة عن صيانة واستبدال الأسطوانات"، عن التخلص منها.

وبحسب رئيس قسم صيانة أسطوانات الغاز في الشركة، المهندس عبدالعزيز شائف، فإن مشكلة الأسطوانات التالفة تتفاقم من عام إلى آخر. ويقدر عدد الأسطوانات غير الصالحة للاستخدام في السوق المحلية في العام 2016، بحسب توثيق الشركة، بنحو 12 مليون أسطوانة، نظراً لانتهاء عمرها الافتراضي المقدر بـ 15عاماً، وسوء الاستخدام ودخول أعداد جديدة من الأسطوانات مجهولة المصدر بسبب الفوضى السياسية في البلاد.

وتدعم نتائج الاستبيان الذي نفذه معد التحقيق في أمانة العاصمة ما قاله المهندس شائف، فمن ضمن 2000 مواطن شملهم الاستبيان حصل 1196 مواطناً على أسطوانات تالفة، 80 % منهم حصلوا على أسطوانات غير سليمة أكثر من ثلاث مرات خلال عام. وبحسب الاستبيان فإن 83% قالوا إن الخلل في المحبس أو بين المحبس والأسطوانة يؤدي لتسرب الغاز، غير أن أياً من المستطلعة آرآؤهم لم يفكروا إطلاقاً في الذهاب إلى قسم الشرطة، ليبلغ عن وجود أسطوانات تالفة في السوق بسبب عدم الثقة في الوصول إلى نتيجة.

مركز الحروق

لا يكاد يمر أسبوع إلا ويستقبل مركز الحروق الطبي بالمستشفى الجمهوري (المركز الوحيد بصنعاء)، مصابين جددا جراء حرائق سببها تسرب الغاز أو انفجار أسطواناته. ويقول رئيس المركز الدكتور صالح الحيضاني إن عدد المصابين بالحروق في العام 2014 بسبب الغاز المنزلي بلغ 181 حالة، فيما بلغ العام 2015 نحو 126 حالة.

ولا تشمل هذه الإحصاءات الحوادث المماثلة التي تحدث في محافظات ومدن أخرى، ويلجأ ضحاياها للعلاج في المستشفيات المحلية القريبة من موقع الحادث. كما أن وزارة الصحة لا تمتلك إحصاء دقيقاً بعدد الحالات المصابة بالحروق بسبب الغاز في عموم اليمن، نظراً لعدم اهتمام المشافي بتسجيل طبيعة الحالات المرضية الواصلة إليها. من بين هؤلاء فوزية سعيد الصناعي (16 عاماً) التي استعادت وعيها في المجمع الطبي العام بمدينة ذمار (100 كم جنوبي صنعاء)، بعد ثلاثة أيام من انفجار أسطوانه غاز في مطبخ المنزل. يقول شقيقها نبيل ذو الـ 27 عاماً، والذي يسكن معها في ذات المنزل: "إنها محظوظة لأنها على قيد الحياة، فالمطبخ المبني في فناء المنزل، اختفى تماماً إذ انهارت جدرانه الأربعة وسقط سقفه على الأرض".

يوضّح نبيل أن المطبخ كان محكم البناء والإغلاق، ونتيجة لتسرب الغاز تحوّل إلى قنبلة كبيرة انفجرت بمجرد فتح فوزية لباب المطبخ في صباح يوم الأحد 21 حزيران/ يونيو 2015. كانت فوزية تحمل شمعة عندما فتحت باب المطبخ، ما سبب الانفجار الذي قذف بها نحو 20 متراً تقريباً بحسب نبيل. ويذكر تقرير المستشفى أن فوزية أصيبت بكدمات وحروق من الدرجة الثانية والثالثة، واستغرق علاجها بالكامل نحو ثلاثة أشهر. فوزية تحولت من فتاة مرحة، إلى شخصية انطوائية تخشى التعامل مع الناس، وفق التقرير الطبي المذيل بتوقيع الأخصائي النفسي عبدالسلام السعيدي.

أربعة اشخاص من عائلة خالد هراش البدجي (38 عاماً) أصبحوا نزلاء مركز الحروق بعد أن خسرت العائلة ثلاثة من أطفالها في حادث حريق سببه تسرب للغاز، إذ توفي محمد (15 عاما) في غرفته، وتشبث عبدالله (9 أعوام) بالحياة حتى وصل فناء المستشفى الجمهوري، حيث فارق الحياة قبل أن يدخلها. أما غدير (12عاماً) فصارعت الموت ثمانية أيام في غرفة العناية المركزة في المستشفى الاستشاري قبل أن تلحق بشقيقيها إلى العالم الآخر.

يبدو خالد هراش والد الضحايا الثلاث متماسكاً، وهو يتحدث إلى "العربي الجديد" عن الساعات الأولى من صباح 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 "الصبح الدامي" يوم وقوع الحادث، لكن دمعة يتيمة في عينيه تخون صلابته. يستذكر كيف التهم حريق هائل منزله في حي القاع بصنعاء نتيجة تسرب الغاز، ما سبب وفاة ثلاثة من أبناءه، بينما أصيب هو ووالده وزوجته وابنه الرابع فارس (10سنوات) بحروق من الدرجة الأولى والثانية والثالثة.

استشاري الحروق في المركز التابع للمستشفى الجمهوري (الحكومي) الدكتور محمد الحجاجي والذي يشرف على علاجهم، يؤكد في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن أسرة خالد هراش حالة ضمن حالات كثيرة، إذ يقول "الحريق بالغاز المنزلي عادة ما يطاول عدداً من أفراد الأسرة وأحياناً جميعهم"، كما حدث مع أسرة هراش.

وتشير إحصاءات الدفاع المدني إلى أن عدد البلاغات التي تلقاها عام 2014 عن وجود حريق بسبب الغاز المنزلي بلغت 82 بلاغاً في عموم محافظات الجمهورية. بيد أن هذه البلاغات وفق ذات الإحصاء لا يتلقاها الدفاع المدني، إلا حين يكون هناك طلب مساعدة لإطفاء حريق.


تقارير رسمية

طلبت رئاسة الجمهورية في مارس/ آذار عام 2009 بسحب أربعة ملايين أسطوانة تالفة من السوق المحلية، بعد أن رفعت الشركة اليمنية للغاز التابعة لوزارة النفط تقريراً اشتركت في إعداده مع وزارتي الصناعة والصحة والدفاع المدني يتحدث عن وجود سبعة ملايين و600 ألف أسطوانة غير صالحة للاستخدام من أصل 16 مليون أسطوانة يتداولها اليمنيون. ويقول التقرير إن ثلاثة ملايين و600 ألف أسطوانة ما زالت قابلة للصيانة، بينما يجب إتلاف أربعة ملايين. وتبلغ كلفة الصيانة الشاملة لأسطوانة الغاز قرابة الـ 13 دولاراً، أما الصيانة الجزئية فتقدر بنحو أربعة دولارات بالإضافة إلى قيمة المحبس وهي خمسة دولارات.

غير أن وزارة المالية رفضت تنفيذ الطلب في حينه، مبررة الأمر، في تقرير رفعته إلى رئاسة الجمهورية، بعجز ميزانية الدولة عن إنفاق 30 مليار ريال يمني (140 مليون دولار)، لتمويل خطة على مدى سبع سنوات كانت كفيلة بسحب الكمية واستبدالها بجديدة وصيانة الكمية القابلة للصيانة، "لأن ذلك فوق طاقتها". كما تذرعت بأن هذا الرقم مبالغ فيه.

وبدلاً عن ذلك اعتمدت وزارة المالية ميزانية سنوية خاصة بالصيانة والإتلاف بلغت 444 مليون ريال في عام 2015 تعادل نحو (2 مليون دولار أميركي)، بينما بلغ إجمالي ما صرفته الشركة اليمنية للغاز في الصيانة والإهلاك، بحسب تقريرها المالي لذات للعام، 800 مليون ريال أي ما يوازي ضعف الميزانية المعتمدة من المالية.

تبعات قانونية

بحسب المادة 304 من القانون المدني اليمني فإنه يحق للمواطن رفع قضية ضد أي جهة حكومية أو غير حكومية أو شخص باعتبارها "المسؤول عن الأشياء"، أي المسؤولة عن الضرر الذي وقع، كما يقول القاضي، فارس النواري، من المعهد العالي للقضاء، لـ"العربي الجديد".

ويضيف النواري "تنطبق هذه المادة على المؤسسات مثلما تنطبق على الأشخاص" مضيفاً "الجهة المسؤولة تعتبر شخصاً معنوياً". غير أن المحامي عبدالقدوس المطري، يقلل من فرص حصول أي مواطن على تعويض في حال قرر رفع دعوى قضائية ضد شركة الغاز؛ وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة وضبط السوق على حكم لأن "ثقافة رفع قضية ضد مؤسسة حكومية غير موجودة عند المواطن". ولذلك يقول المطري: "قد يخسر المواطن مئات الآلاف من الريالات، دون أن يصل إلى نتيجة"، في بلد يقدر متوسط دخل الفرد بـ150 دولاراً قبل الحرب".

 

الغريب أن 30% من العينة التي استطلعها التحقيق وتبلغ ألفي مواطن، استخدموا الأسطوانات التالفة التي حصلوا عليها، رغم اكتشافهم للخلل من خلال التسريب الذي يحدث عند تركيب الأسطوانة عند فحصها بالطريقة البدائية من خلال وضع رغوة الصابون. بينما أعاد 60% منهم الأسطوانات إلى التاجر، واضطر 10% إلى تفريغ محتواها في الهواء، ورغم ارتفاع نسبة التالف، إلا أن 30% فقط فحصوا الأسطوانات قبل شرائها عن طريق غمر المحبس برغوة الصابون.

عينات تالفة

أجرى معد التحقيق فحوصا، في مختبر الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس، على عينة عشوائية مكونة من ثلاث أسطوانات متداولة في السوق، أثبت الفحص عدم مطابقة أسطوانتين لاشتراطات ومتطلبات المواصفات والمقاييس اليمنية، بسبب مخالفة الفحص الظاهري، لاحتوائها على كدمات وحفر في جسم الأسطوانة ووجود زيادة في وزنها فارغة "في واحدة من العينات". بالإضافة إلى عدم وجود بلد المنشأ وتاريخ الصنع والعلامة التجارية واسم الشركة المصنعة.

وأكدت الفحوصات أن المخالفات في العينة الثانية تتركز في زيادة قطر الطوق الواقي ونقص في وزن الأسطوانة فارغة، وهو ما يجعل الأسطوانة غير مرنة ما يعني أنها قد تتعرض للانفجار في حال تعرضت لصدمات، بحسب اشتراطات المواصفات والمقاييس، بينما كانت المخالفة في العينة الثالثة عدم وضوح رقم متسلسل الإنتاج وتاريخ الصنع وقد اعتبرها التقرير المخبري في حدود متطلبات المواصفات المعتمدة في الاختبارات. وتعتبر مخالفة لكن الهيئة تتجاوز عنها لمرة واحدة وتحذر المستورد من تكرارها. وسبق وأن أصدرت الهيئة تحذيرات في حق ثلاثة تجار لتجاوز شروط المواصفات والمقاييس وبحسب مصدر في الهيئة، فقد التزم التجار الثلاثة بعد ذلك بالشروط.

وبحسب وثيقة حصل عليها معد التحقيق من إدارة ضبط الجودة في الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس، فإن أهم المخالفات التي غالباً ما تكتشفها فِرق الفحص في الخصائص الفنية، تكمن في ارتفاع مقاومة الشد لجسم الأسطوانة، وموضع اللحام وزيادة قطر الطوق الواقي ما يجعلها عرضة للانفجار.

وبالمقابل فإن الانخفاض في وزن الأسطوانة فارغة، والانخفاض في النسبة المئوية للاستطالة وسمك الأسطوانة وسمك الطوق الواقي للمحبس واختلاف القطر الخارجي للطوق الواقي أيضا تعد بحسب وثيقة صادرة عن إدارة ضبط الجودة في الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس في فبراير/ شباط 2015، مخالفات خطيرة تجعل أسطوانة الغاز عرضة للانفجار في أي لحظة.

 

طباعة

التعليقات

إضافة تعليق