عاجل

مواطنون يبيعون أثاث منازلهم لمواجهة الجوع

2016-04-11 00:27:47 ( 512755) قراءة
المشاهد - نجيب العدوفي

 


لا شيء يملكه الحاج محمد صالح لتأمين حياة أسرته المكونة من 9 أفراد، وبعد أن أجهز على مدخراته المالية والمصوغات الذهبية الزهيدة أصلاً، لجأ مؤخراً إلى بيع مستلزمات منزله خاصة الكهربائية والتي أصبحت لا قيمة لها في المنزل بسبب انقطاع التيار الكهربائي منذ عام، وفي سوق "الحراج" بالصافية وسط العاصمة صنعاء يعرض الحاج محمد صالح ثلاجته للبيع، ويقول لـ"المشاهد": "أقف هنا منذ حوالي أسبوع ولم أجد من يقدر ثمن هذه الثلاجة، فتجار هذه السوق يبخسون الأشياء ويستغلون حاجتنا".

يشير صالح إلى أن غياب فرص العمل وارتفاع الأسعار أجبرته على بيع كل ما كان يدخره، حيث لم يعد يملك غراماً واحداً من الذهب بعد أن كان يدخر ما يزيد عن 20 غراماً لمواجهة تحديات الكبر في السن.

سوء إدارة الموارد

تعيش اليمن أزمات متفاقمة جراء سوء إدارة الدولة واستغلال مواردها بشكل سيء، لتزداد اليوم معاناة الناس جراء الصراع وغياب الدولة، حيث تشهد الأسعار ارتفاعات غير مسبوقة، إلا أن المخاوف زادت حدتها الآن خاصة بعد أن حدد البنك المركزي اليمني مؤخراً سعر صرف الدولار الواحد بـ250 ريالاً في اجتماعه بالبنوك المحلية وشركات الصرافة، من أجل السيطرة على تدهور العملة الوطنية، إلا أن أسعار الصرف في السوق السوداء تشهد ارتفاعات تصل إلى 280 ريالاً للدولار الواحد.

الدولار يُعد لاعباً رئيسياً في السوق اليمنية وله تأثيراته الكبيرة على أسعار مختلف السلع، خاصة في ظل الطلب على الدولار من قبل المستوردين، وتشير البيانات إلى اليمن بلداً مستورداً بامتياز وتصل حاجته الاستيرادية من الخارج إلى 90% من احتياجاته الاستهلاكية المختلفة، الأمر الذي زاد مؤخراً من ارتفاع أسعار العديد من السلع بما فيها الغذائية والتي هي مرتفعة أصلاً وبنسب كبيرة جداً، يقابلها ضعف في الدخل لدى العديد من الأسر اليمنية في حين أن أسراً أخرى منعدمة الدخل نهائياً.

ارتفاع الأسعار

محمد الريمي -تاجر مواد غذائية بالجملة- يقول لـ"المشاهد" إن التغييرات الرسمية التي طرأت على سعر الدولار مقابل الريال أثرت بشكل كبير على الأسعارـ حيث تزيد الأسعار بنسب تتراوح ما بين 10 إلى 20% للعديد من السلع الغذائية ما عدا القمح الذي ما يزال سعره ثابتاً حتى اللحظة، ويبين الريمي أن هذه الزيادة في الأسعار أضيفت إلى الزيادات المتكررة سابقاً والتي تباينت في الارتفاع بين سلعة وأخرى والتي وصلت لبعض السلع إلى 200% وأخرى بنسبة 100% خلال العام 2015.

الحاج محمد صالح يقول إنه لا يتابع الأخبار ولا يجيد قراءة الصحف إلا أنه يسمع ما يدور من حديثٍ بين الناس إضافة إلى ما يشاهده على الواقع من أوضاع معيشية متردية جعلته يشعر أن ارتفاع سعر الدولار سيزيد من ارتفاع الأسعار، ويضيف: "لا أحد يقدر على الغلاء، فالأسعار مرتفعة جداً، وأغلب اليمنيين لا يجدون ما يأكلون، لكن فرج الله قريب، وندعوه أن يخرجنا مما نحن فيه".

المجاعة قادمة

في ذات السياق توقعت دراسة حديثة للباحث الاقتصادي -كمال الخامري- حدوث مجاعة في اليمن خلال الأشهر القادمة، وتشير الدراسة -التي حصل "المشاهد" على نسخة منها- إلى أن الحرب التي تعيشها البلد حالياً تسببت في تفاقم معاناة المواطن اليمني، خاصة في ظل فقدان الوظائف والأعمال والدخل للكثير من المواطنين، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار السلع وخاصة المشتقات النفطية وانخفاض القوة الشرائية لمعظم المواطنين الذين استنفذوا كل مدخراتهم التي جموعها خلال السنوات السابقة، مما يدلل على أن هذه الأوضاع تهدد الشعب اليمني بحدوث مجاعة خلال الأشهر القادمة.

خطر الهبوط

بدوره الباحث الاقتصادي مرزوق الصلوي يرى أن هبوط العملة الوطنية إلى مستويات كبيرة تنذر بالخطر، وتهدد حياة الملايين من اليمنيين، خاصة أن اليمن تعتمد على الخارج بنسبة كبيرة وتحتاج إلى النقد الأجنبي لتغطية متطلباتها الاستيرادية، وتؤكد البيانات الرسمية أن اليمن تستورد سنوياً ما نسبته 86% من احتياجاتها من القمح، في حين الإنتاج المحلي لا تتجاوز نسبته 14% ويغطي احتياجات السوق لمدة شهرين فقط.

المشتقات النفطية والدولار

بدورها الباحثة الاقتصادية إيمان عبدالرحمن تقول في دراسة حديثة لها إن شحة الموارد من النقد الأجنبي في مقدمة الأسباب لنشوء أزمة سعر الصرف، تليها أزمة المشتقات النفطية التي فاقمت من هذه الأزمة وذلك في الوقت الذي غابت فيه الإجراءات الاحترازية والرقابية المفترض تطبيقها من قبل الجهات المعنية للتخفيف من حدة الأزمة ومحاولة السيطرة عليها، وتشير الدراسة التي حصل "المشاهد" على نسخة منها إلى أن الأزمة السياسية والحرب التي تمر بها اليمن أظهرت علاقة تبادلية وتسلسلية بين أزمة المشتقات النفطية وأزمة سعر الصرف، حيث أدت أزمة المشتقات النفطية إلى ازدهار السوق السوداء للمشتقات النفطية في ظل اعتبارات تحقيق الأرباح العالية والاستفادة من الأزمة الراهنة وهو ما أدى زيادة عامل الجذب نحو الاستثمار في تجارة المشتقات النفطية وزيادة الطلب على النقد الأجنبي من قبل تجار النفط بأي سعر متاح مما شكل تشوها ازدهار السوق السوداء لبيع الدولار وارتفاع سعر الصرف إلى معدلات غير مسبوقة.

وتؤكد الدراسة أن اليمن تعاني من ضعف عام في الإجراءات الاحترازية والرقابية، حيث تتفاوت من مؤسسة حكومية إلى أخرى فجاءت الحرب لتزيد من حدة ضعف وغياب الدولة، إلا أن ذلك لا يعني استحالة اتخاذها.

تراجع الإيرادات العامة

من جانبها وزارة التخطيط والتعاون الدولي تؤكد أن شحة النقد الأجنبي يُعد من أبرز أسباب تدهور العملة الوطنية، مما يقود إلى مخاطر كبيرة تجاه الوضع المعيشي للمواطنين، وتقول الوزارة في نشرة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن الصادرة مطلع أبريل الحالي -حصل "المشاهد على نسخة منها- إن إجمالي الإيرادات العامة للدولة انخفض بمعدل 53.7 % . بسبب توقف إنتاج وتصدير النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، وتعليق دعم المانحين للموازنة، وانخفاض الإيرادات الضريبية، مما يفاقم من أزمة سعر الصرف.

معالجات مطلوبة

تقترح وزارة التخطيط عدداً من المعالجات لإيقاف تدهور العملة الوطنية، حيث طالبت بتعبئة الموارد العامة من خلال استئناف إنتاج وتصدير النفط الخام والغاز وإيداع حصة الحكومة في البنك المركزي اليمني، إلى جانب تحفيز مؤسسات القطاع الخاص على تسديد المتأخرات الضريبية، وتعزيز الرقابة على إيرادات وحدات القطاع الاقتصادي، يصاحب ذلك البحث عن موارد خارجية "منح نقدية ومساعدات عينية" لتغطية النفقات الحتمية في الموازنة العامة، وتقترح الوزارة دراسة فرض ضريبة مؤقتة على الوقود كخيار بديل عن التمويل التضخمي لعجز الموازنة الذي يؤثر على قيمة العملة الوطنية، والعمل على رفع الرسوم الجمركية مؤقتاً على السلع الكمالية والتي لها بدائل محلية، ورفع أسعار الخدمات الحكومية إن وجدت بما يغطي تكاليف الإنتاج.

إلى جانب ذلك ترى وزارة التخطيط أن الوضع الراهن يستوجب إصدار صكوك إسلامية للاستفادة من فائض السيولة لدى البنوك الإسلامية في تمويل بعض مشاريع الموازنة أو واردات الوقود، والتوجه نحو توفير حماية أمنية فعالة للشركات النفطية، وأنابيب تصدير النفط والغاز وخطوط نقل الكهرباء، وكذلك تكثيف جهود البحث والتنقيب عن النفط والغاز، وتحفيز الشركات النفطية على تطوير الحقول الحالية لإنتاج النفط، ويواكب ذلك فرض سيادة القانون الضريبي وتطوير كفاءة إدارة كبار المكلفين في مصلحة الضرائب، وتطوير إدارة المالية العامة وإصلاح مؤسسات القطاع الاقتصادي والعام، مع التركيز على حشد دعم المانحين المباشر للموازنة لتقوم بوظائفها، وبالنسبة للحد من تنامي عبء الدين العام تقترح وزارة التخطيط إبلاغ الدائنين الخارجيين بعدم القدرة على سداد الديون الخارجية، والبحث في إمكانية إعادة جدولة الدين المحلي، بحيث يتزامن ذلك مع عقد مؤتمر دولي لإعفاء اليمن من الديون الخارجية وإعادة جدولتها.

طباعة

التعليقات

إضافة تعليق