عاجل

سكان الرصيف.. قصص التعايش مع البرد والألم

2016-02-10 16:33:55 ( 590942) قراءة
المشاهد- صلاح الجندي

سكان الرصيف


يتنافس البرد والبؤس على افتراس ما تبقى من جسده سلطان النحيل فبرد الليل الحالك وذلك البؤس يشاركانه في الرصيف، بشارع الدائري بالعاصمة صنعاء حيث اقتربت منه لا تحدث معه لم يعطى اهتماما واكتفى بالتحديق نحوي بعينيه الواسعتين، وقال "انا جاوع..".  

 تتسع رقعة الجوع والفقر وتزداد حالات التشرد مع ازدياد الأوضاع سوءا في هذه البلاد فيعلو صوت الحرمان المنبثق من الرصيف فوق كل الأصوات والذي أصبح يحوي المئات من المتشردين والفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم.

وتتفاقم المعاناة يوما تلو الآخر مع استياء الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار إلى حد لا يمكن تقبله مما يزيد من آلام سكان الرصيف ويضيف فئة جديدة من الأشخاص الذين فقدوا عقولهم أو أصيبوا بحالات نفسية خاصة نتيجة الصراع مع متطلبات العيش الكريم التي باتت باهظة جدا..

تنام البلاد في أحضان الجراح والحالة الإنسانية تغدو أصعب مع مرور الأيام في الوقت الذي ينشغل فيه الناس في متابعة أخبار الصراع وامكانية توقف الحرب واحلال السلام وعودة الحياة .


الرصيف سكن

سلطان الرصيف

عند الجلوس بجانب سلطان فوجئت يمد يده إلى داخل حقيبتي مشيرا إليها "ما معك داخل الشنطة هذه.. شكلها مليانة.. أنا جاوع ..معك سندوتش.."  صدمت من ردة فعله ومن حاجته للأكل..

وبعد ما وعدته بتوفير الأكل له إبتسم وجلس بجانبي قال " أنا يا ابني أصبحت أعيش هنا في هذا الرصيف لأن الدنيا ما ترحم أحد ولا أحد يرحمك . ايش أقلك يعني قدك تشوف كيف الحالة" ..

  ثم صمت وتحدث بلهجة عامية وقال: يا ابني مش أنا لوحدي هنا في الرصيف يوجد ناس مليان يناموا بدون فراش، خرجنا ثورة زمان وما عملوا لنا شيء، نحن المشردين ما فيش معانا احد ينتبه علينا وانا متعب ومريض لا استطيع العمل هربت من البلاد إلى صنعاء بحثا عن لقمة العيش ولم نجد مكان الا الرصيف ،وكنا في ثورة فبراير نقيم في الخيام الآن لا خيام ولا بيت ولا شيء!

قاطعته سائلا عن اسمه وعما إذا كان لديه أسرة، أجابني: أنا سلطان يا ابني، سلطان الرصيف والشقاء، أسرتي بالبلاد لا يعرفون شيء عني .. توقف عن الحديث وتنهد وقال :" برد الرصيف أرحم من قلوب الناس".


سكان الرصيف بصنعاء

  وكما ترى أنا عاجز ولا استطيع الحركة الا بالعصى وبمساعدة الناس، وأكلي وشربي من الآخرين.

سألته عن البرد هذه الأيام وكيف يقاومه، رد مبتسما بسخرية: يا ابني اصبحت أجسادنا لا تشعر ولا تحس بالبرد من كثرة المعاناة، البرد ما يرحمش نظل طول الليل نشتوي فيه منتظرين طلوع الصبح لندفي اجسادنا  بالشمس.. خلية على الله بس.

خذلته الظروف

خالد كان موظفا في وزارة الأشغال والطرق قبل 2011، وحاليا انضم إلى رصيف الوجع.

فقد خالد عمله وعجز عن إيجاد العمل البديل الذي يسد رمق جوعه حتى دخل في حالة نفسية وأصبح أحد مشردي الأرصفة بدون عمل .. يقوم حاليا بتنظيف زجاج السيارات.

يقول أحد السكان في ذلك الحي متعجبا: في منتصف إحدى الليالي أيقظني  صراخ خالد  بدا لي أنه يتخاصم مع أحدا ما، هممت لرؤيته من شباك الغرفة وجدته يحدث نفسه تارة وجدار الشارع تارة أخرى، حيث أصبح الآن سكان الحي معتادين على صراخ خالد.

يجلس خالد أمام كشك في منطقة سعوان ينتظر وقوف سيارة ليقوم بتنظيفها مقابل حصوله على مبلغ مالي يستطيع توفير مستلزمات الحياة المعيشية في شتاء بارد .
بيع الحلم

لم تسلب الحرب أرواح الناس، بل  سلبت منهم عقول آخرين أمثال مصطفى المواطن الذي كان يعمل في إحدى الشركات الخاصة في صنعاء براتب يجعله سعيداً مع أطفاله وزوجته، يوفر لهم كل ما يحتاجون من متطلبات الحياة.. ومع اندلاع الحرب في اليمن توقفت سعادة أسرة مصطفى بتوقف الشركة التي كان يعمل بها..

فقد أصبح مصطفى بلا عمل، صرف ما كان قد جمعه من مال حتى إنه باع  أثاث منزله كي يوفر لأسرته ما يقتاتون في يومهم ولتوفير متطلبات ومستلزمات الدراسة لأطفاله.

طالت الحرب واستمرت الأزمة ومصطفى يتخبط طارقا كل الأبواب بحثا عن مصدر دخل له ولأسرته، غير أن كل الأبواب مغلقة في وجهه حسب ما أفاد أحد جيرانه.

ما يجعل القلب يحزن أن مصطفى بعد أن أثقلته الديون وباع كل ما يملك ، أصبح يكلم أرصفة الطرقات عن سعر دولابه وقيمة أثاث.. أصابه مرض نفسي فلا الأرصفة تجيبه ولا الواقع يعيد له ما سلب منه.

لم يبق أمام مصطفى وأسرته إلا الصبر على البلاء، الذي ابتلي به.. ليس مصطفى وأطفاله وحدهم بل هناك الالآف من اليمنيين . ضاقت الدنيا عليه ليصبح شخصية جديدة أضيفت لمن يفترشون شوارع الوطن ويحاكون الجدران.

اغتيال للطفولة

أزقت وأحياء العاصمة صنعاء وحدها كفيلة هذه الأيام تتحدث عن قصص معاناة وطن نازف، ومعاناة مواطنين لا ناقة لهم ولا جمل في حرب طاحنة هم أول ضحاياها وهم فقط ضحاياها.

وعلى قارعة رصيف أحد شوارع صنعاء في ليلا بارد وجدنا بين أحد "الكراتين" وشراشف الأسى والفقر والحرمان تفترش الطفلة صفية الرصيف التي لا يتجاوز عمرها العاشرة، وتضع أمامها ميزان هو مصدر دخلها وأسرتها.

تظل صفية تنادي بصوتها الطفولي المارة من قرب ذلك الرصيف "وزن يا عمو بعشرين ريال"، على رحمة الناس تصل إليها وتعطيها أجر أوزانهم.

طفلة بعمر الأحلام البريئة تخرج من بيتها باكرا بين برودة الصباح وشمس الظهيرة ووحشة المساء، تتجول بميزانها لأجل أن تعود إلى البيت وقد حصلت على ما يشبع جوع أهلها.

تحلم صفية أن تلعب كالأطفال وتدرس مثلهم في وضع مستقر وآمن، غير أنها مع هذه الأوضاع تزداد معاناة وأمثالها، فما عادت العشرون تسد رمق جائع، وما عاد الناس يهتمون بأوزانهم.


الرصيف سكن الفقراء

طباعة

التعليقات

إضافة تعليق