عاجل

الحرب تمزق النسيج الاجتماعي اليمني

2016-02-10 00:10:59 ( 567548) قراءة
المشاهد - صنعاء - عبدالجليل السلمي

طفل يحمل لعبته بعد ان تم تدمير المبنى صورة ارشيفية

أدت الصراعات المسلحة على السلطة في اليمن، إلى استخدام الانتماءات الجهوية والقبلية والطائفية لبسط النفوذ، وتطورت إلى الحرب بالأسلحة الثقيلة، إذ وصل الاقتتال بين الجيران، وداخل الأسرة الواحدة، وتدمير وحرق المنازل على أساس حزبي ومذهبي.

 وزادت الدماء التي سالت من الأطراف المتصارعة على السلطة في مناطق عدة من البلاد، الشرخ المجتمعي توسعاً وتعمقاً، مما سيؤثر في المستقبل على ظهور الثأر بين أفراد المجتمع الواحد.

بؤرة الصراع السياسي

 قالت الدكتورة سهير علي عاطف لـ"المشاهد"  إن الصراع على السلطة في حرب صيف عام 1994، كان البداية للتصدع الاجتماعي في تاريخ اليمن المعاصر، وبروز النعرات المناطقية على السطح بشكل جلي، والتي عملت على تصدع النسيج الاجتماعي وتمزيقه، وكرست في السلوك والتعامل اليومي لدى أفراد  المجتمع، وظهور المظلوميات التي عانى منها السكان.

وأضافت حدة الصراعات  السياسية  في اليمن  قبل 2011  نتيجة انسداد الحل السياسي بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم،  تلتها الفترة الانتقالية، بالإضافة إلى الصراعات المذهبية مثل الحرب في دماج ثم انتقلت إلى محافظة عمران، وتطورت إلى الحرب بالأسلحة الثقيلة على المعسكرات ودخول صنعاء بعد ذلك وأعقب السيطرة على صنعاء وخروج جماعة الحوثي إلى عدد من المحافظات مثل إب، الحديدة، البيضاء، والجوف، مما أدى إلى نشوب معارك فيها، ثم إلى تعز ولحج وعدن وتدخل قوات التحالف العربي.

ضحايا الاقتتال الداخلي

 في ذات السياق كشف عز الدين الأصبحي وزير حقوق الإنسان في حكومة بحاج الشرعية أن الإحصاءات الأولية لنتائج الحرب تشير إلى مقتل أكثر من 10 آلاف شخص، إضافة إلى نحو 15 ألف جريح، إلى جانب اعتقال الآلاف ، ونقلت صحيفة" الحياة" اللندنية عن الأصبحي قوله"الحرب أدت إلى نزوح أكثر من 2.5 مليون يمني من مناطقهم إلى مناطق أخرى داخل اليمن، فيما لجأ نحو 120 ألف شخص إلى الخارج".

وتشير إحصاءات صادرة عن الأمم المتحدة إلى أنَّ 747 طفلاً لقوا حتفهم، في حين أصيب ألف و 108 آخرون منذ آذار العام الماضي، وأنَّ 724 طفلاً أجبروا على الانخراط بشكل أو بآخر في أعمال مسلّحة، وهذا ليس سوى جزء من المأساة، وهو بحدّ ذاته أمر صادم بما فيه الكفاية.

عوامل التصدع المجتمعي

ولخصت العوامل التي ساهمت في التصدع المجتمعي في اليمن بعدم تحقيق المواطنة المتساوية في المجتمع، وهيمنة بعض القوى والأحزاب السياسية على اتخاذ القرار السياسي، وضعف الدولة وهيمنة القبيلة، اضافة إلى انتشار الأسلحة، وعدم استقلالية القضاء وهيمنة السلطة التنفيذية عليها، استمرار ظاهرة الثأر في المجتمع اليمني، والفساد المالي والإداري، واستخدام الدين في التأثير على بسطاء الناس واستغلالهم في تأجيج الصراع الاجتماعي والنعرات المناطقية والمذهبية.

ويرى الكاتب محمد الكناني يقول لـ"المشاهد" أن اتساع المواجهات في مناطق واسعة من البلاد تتسبب بشرخ اجتماعي عميق و خطير من شأنه الفتك بالسلم والتعايش الاجتماعي نظرا للاحتقان السياسي الدائم و المتجذر بين أبناء هذه المناطق بسبب الفهم الخاطيء لمبادئ التوجهات والتكتلات السياسية وتحويل الخلافات القائمة وتباين وجهات النظر إلى خلافات شخصية تسبب بآثار كارثية و مدمرة للنسيج الاجتماعي العام.

ودعا الكناني الجميع  إلى التسلح بالوعي وتغليب المصلحة العامة للبلاد وان يقوم العقلاء و الوجهاء والشخصيات الاجتماعية والأكاديمية بواجباتهم و جهودهم  والتي من شأنها الحد من الانهيار وإيقاف الكارثة التي يرسمها لنا المغامرون والمقامرون بالأوطان في الداخل والخارج.

آثار الصراعات المسلحة

استمرار الحرب سوف يؤدي إلى كارثة إنسانية لما تخلفه من دمار وقتل للكثير من المواطنين الأبرياء إلى جانب تدهور الحياة المعيشية للسكان وارتفاع قياسي لأسعار السلع الأساسية والوقود، وتأثير ذلك على مستوى المعيشة للفرد اليمني، وضعف التعليم، وتدهور الخدمات العامة مثل المياه والكهرباء والصحة والتعليم، ونزوح كبير للسكان من المناطق المتضررة بحثاً عن الأمن والاستقرار الاقتصادي، وتدهور الاقتصاد اليمني وعدم قدرته على الإيفاء بحاجة المواطنين.

وتقول الدكتورة بشرى عبدالكريم راوية خبيرة الاقتصاد لـ"المشاهد" تداعيات عديدة ومدمره جراء الحرب أثرت على المواطن اليمني من جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وضاعفت معدلات المعاقين والمتشردين وتضخم نسبة المتسولين وتفشي الجريمة في وسط مجتمع كان من أكثر الشعوب حبا للسلم.

الوضع الإنساني في اليمن لم يكن ليحتمل أي تصعيد في الصراعات المسلحة والحروب، لكنه أزداد تدهوراً وتعقيداً بشتى صوره وصلت الى ذروتها في العام 2015 نتيجة لتفاقم الوضع الأمني واحتدام الاقتتال الداخلي في عدد من المحافظات.

ويواجه نحو 14.4 مليون شخص تبعات انعدام الأمن الغذائي، وبمقياس العام الماضي ارتفع عدد الأشخاص غير الآمنين غذائياً بنسبة 12%، وبنسبة 36 % منذ أواخر عام 2014، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة المتخصصة.


صورة لمقاتلين في المعارك باليمن صورة ارشيفية

إعادة بناء النسيج الاجتماعي

إن عملية إعادة بناء النسيج الاجتماعي والحفاظ عليه من التصدعات ليست سهلة، وتؤكد ريم ابوبكر السقاف- مسئول برامج الدعم النفسي بجمعية الهلال الأحمر اليمني- لـ"المشاهد" أن تجاوز الآثار التي خلفتها الحرب يبدأ من داخل كل فرد من أفراد مجتمعنا اليمني قبل أن ننتظر ماذا سيقدم لنا، ومن ثم يأتي دور المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني بإعداد برامج وأنشطة تساعد من ذلك.

وترى الدكتورة سهير علي عاطف إن معالجة آثار التصدع الاجتماعي تحتاج تعزيز التماسك الاجتماعي واحتجاب بؤر النزاعات والصراعات إلى شجاعة حقيقية ومسئولية، وتضافر وتكاتف كل الجهود في كافة المستويات بالسلطة ومؤسسات المجتمع المدني.

 وفي الجانب السياسي والمتمثلة في وقف الاقتتال والرجوع إلى طاولة الحوار، وتشكيل حكومة إتلاف وطني مؤقتة، ووضع دستور يكفل حقوق المواطنة المتساوية ويكفل كافة الحقوق والحريات للأفراد في المجتمع، القيام بانتخابات برلمانية ورئاسية، واحترام الحرية الفكرية والمذهبية، والمصالحة الوطنية بين أفراد المجتمع كافة وتعويض كل من تضرروا من الحرب والنزاعات المسلحة، وتشكيل جيش وطني موحد من كل المناطق اليمنية ولاءه للوطن، والحد من انتشار الأسلحة بين الأفراد في المجتمع واحتكاره بيد الدولة من أجل الحد من النزاعات المسلحة في المجتمع.

في الجانب الاجتماعي والاقتصادي تتمثل في تشكيل مجلس موحد لكبار علماء اليمن، وتوجيه الرسالة الإعلامية الهادفة إلى نبذ ثقافة العنف والحقد والكراهية والتعصب الحزبي والمذهبي، وإنشاء صناديق اجتماعية لضمان معالجة قضايا المتضررين من الحرب والنزاعات المسلحة، والقضايا الوطنية العالقة، ومعالجة مشكلة البطالة والفقر في المجتمع.

الدور الخارجي مهم

ويرى خبراء اجتماعيون أن الوضع الراهن في اليمن يتطلب التنبه إلى ما تقود إليه الصراعات من تصدع في النسيج الاجتماعي، وأن تعمل مختلف مكونات المجتمع بما فيها وسائل الإعلام والمنظمات المدنية والمؤسسات الأكاديمية إلى إيقاف التصدع الاجتماعي الذي يزداد أتساعا مع مرور الوقت وانعدام الحلول المجدية للحرب الدائرة حالياً في اليمن، بمعنى أن يتم الحفاظ على ما تبقى من الخيوط ومنع تمزقها، الأمر الذي يتطلب قراراً حقيقياً لوقف الحرب.

ويرى اجتماعيون أن عملية إعادة بناء النسيج الاجتماعي والحفاظ عليه من التصدعات ليست سهلة وفي نفس الوقت ليست صعبه أو معقده، وتحتاج لشجاعة حقيقية ومسؤولية، وتضافر وتكاتف كل الجهود في كل المستويات بالسلطة ومؤسسات المجتمع المدني والمجتمع ككل، كما لا يمكن إغفال الدور الإقليمي والدولي في إنجاح هذه الرؤية، فهو من أوصل البلد مؤخراً إلى ما هو عليه، الأمر الذي يستوجب على المجتمع الخارجي التدخل الايجابي والجاد لإنقاذ اليمن ومساعدته و دعمه في كل المجالات التي دُمر منها الكثير.

طباعة

التعليقات

إضافة تعليق