عاجل

الارياف.. معاناة زادتها الحرب معاناة وبؤسا

2016-02-01 22:45:41 ( 597252) قراءة
المشاهد- تعز - سامي نعمان

  غدا مألوفا ان يشاهد أهالي قرية "المصاعد" والقرى المجاورة لها في مديرية ماوية بمحافظة تعز عبده لطف يتجول في الطرقات والازقة هاتفا بصوت مرتفع"احنا جوااع.. احنا جواااع" جاذبا خلفه العديد من الاطفال لترديد الهتاف بعده .. هو احتجاج بيني على معاناة الناس المتفاقمة جراء الحرب، حتى وان لم تكن هناك جهة اختصاص تسمع الاصوات الساخطة لهؤلاء..

الريف تعز ماوية


يعيش مواطنو الأرياف في تعز أشكالا قاسية ومركبة للمعاناة التي راكمتها الحرب التي تشهدها تعز وعدد من المحافظات اليمنية منذ نحو عشرة أشهر.

ورغم أن المواطنين الساكنين في معظم الارياف البعيدة عن جبهات القتال المباشرة بعيدون الى حد كبير عن الاخطار والتبعات المباشرة للمواجهات والقصف المتبادل، غير ان تأثير الحرب انعكس بشكل كبير على جوانب أخرى لا سيما المعيشية منها، خصوصا مع نزوح مئات الاسر والعمال للمدن تبعا لتداعيات الحرب، وتردي الخدمات.

 جحيم الحرب

 ريف مديرية ماوية بمحافظة تعز، كنموذج، عاد المئات الذين كانوا يتواجدون في مدن مختلفة، ومعظمهم يعملون في حرف يدوية بالاجر اليومي غالبا، كورش الهندسة ومحلات الخياطة والمطاعم والمحلات التجارية.

 ومثل هؤلاء شكلت الحرب وانقطاع العمل ضربة قاصمة لهم في معيشتهم بعد ان اصبحوا بلا مصدر دخل، فيما أن قلة هم من يحصلون على رواتب شبه منتظمة  في القطاعين الحكومي والخاص.

معاناة العامل شمالا وجنوبا

غادر طارق عايض، الحديدة في الايام الاولى للحرب بعد ركود العمل بشكل مفاجئ في ورشة سمكرة كان يعمل بها، عائدا الى قريته في ماوية، حيث لازال مقيما حتى اليوم.

 يوضح طارق "في الايام الاولى للحرب كنا متخوفين مع بدأ تراجع العمل وانعدام حركة السيارات فتوجهنا إلى القرية، ونرغب الذهب إلى الحديدة للعمل لانه توجد حرب هناك مثل تعز، وتحسنت الحركة نسبيا ".

بلال يعمل خياطا؛ واغلب شغله يستمر لخمسة اشهر  في موسم سنوي يمتد لخمسة أشهر تسبق عيدي الفطر والأضحى، ما يمكنه من توفير دخل سنويا يعينه في معيشته بقية العام إضافة لعمله في الزراعة "كان أصحاب المحلات يتصلوا بالخياطين من أول رجب مع بداية الموسم ونختار العرض الأفضل بالأجر.

 لكنه يقول :" هذا العام اتصلوا بنا بداية رمضان وقبل عيد الاضحى بثلاثة أسابيع،وهي فترة قصيرة ما سنحصل عليه سيصرف مواصلات ومصاريف".

 يتخوف خالد صالح العودة إلى عمله السابق في محافظة عدن بعد مغادرته بداية المواجهات،  رغم ان مالك الورشة يلح عليه منذ أشهر للعودة الى عمله في عدن التي بدأت الاوضاع تتطبع فيها تدريجيا  منذ تحريرها في يوليو الماضي، غير أن رغبة خالد تصطدم بمخاوف جدية تتعلق بمضايقات يتعرض لها كثير من المواطنين الشماليين في الجنوب.. ويقول:"من الصعب ان أعود للعمل في عدن، خوفا من تعرضي لمضايقات كوني من أبناء المناطق الشمالية.."

أهوال جلبتها الحرب

مرت أشهر بالغة الصعوبة والتعقيد على معظم الاسر في الارياف، خصوصا في الاشهر الاولى للحرب، حين ارتفعت اسعار المواد الغذائية الاساسية كالقمح والغاز المنزلي ثلاثة اضعاف، وكذلك تكلفة النقل مع انعدام البترول، فيما كان النشاط الزراعي متوقفا تماما بفعل الجفاف، حتى ان الناس كانوا يعدمون احتياجاتهم الاساسية من المياه.

يقول نجيب عبدالله- مزارع، وله اسرة من خمسة افراد" تمر علينا ايام مجاعة حيث كنا نعمل يوم ونتوقف ثلاث ايام او اسبوع.. احيانا لا نستطيع توفير قيمة كيس دقيق خلال شهر عندما وصل سعره 13 الف ريال..

ومع منتصف العام الماضي، سجلت المعاناة الاضافية على معيشة الناس تراجعا نسبيا، تبعا لتراجع اسعار المواد الغذائية وتوفر نسبي للمشتقات النفطية، بيد أن هطول الامطار كان  الاكثر تأثيرا بالنسبة لسكان الارياف بعد اشهر الجفاف،  ما اتاح لهم العمل في الزراعة، التي رفدت كثيرا من الاسر بمحصول جيد من الحبوب يسد حاجتها لفترات متفاوتة، كما بدات بعض الاسر تحصل على دخل مناسب من عائدات زراعة القات المزدهرة في ماوية.

العمال المتوقفون، بدؤوا يعملون مع بعض ملاك المزارع، ما اتاح له الحصول على دخل بسيط، هو "احسن من لا شيء" كما يقول طارق ضاحكا بأسى..

تعايش مع معاناة متفاقمة

لا تبدو تلك المعاناة أمرا طارئا بالنسبة لكثير من سكان الارياف، إذ يعاني غالبيتهم -هنا على الاقل- من الفقر المدقع وانعدام ابسط الخدمات، بيد ان تبعات الحرب ضاعفت تلك المعاناة، وكشفت كثيرا من الاسر الفقيرة.

أسامة (27 عاما) يعمل بدراجته النارية يعول اسرة من 12 فردا:" الناس عادهم شعروا بالازمة الان.. انا اعيش الازمة منذ 17 عاما..  الكيس الدقيق الذي يستهلكوه في شهر ينتهي معنا في اسبوع ومثله كل المواد الغذائية الاساسية الاخرى".

لكنه يؤكد أن ما خلفته الحرب كانت قاصمة وافقدته القدرة على التحمل واثقلت كاهله بالديون والهموم، خصوصا ان اسرته توازي اربع او ثلاث اسر اخرى..

عام الحطب..

كان لافتا خلال الاشهر الماضية ان معظم الاسر الريفية استغنت عن الغاز المنزلي واستعاضت عنه بالحطب المتوفر بسهولة في الارياف، في اطار سعيها لتخفيف أعباء الغلاء الفاحش، الذي طال اسطوانات الغاز  التي وصلت اسعارها خيالية.

ولجأت كثير من الاسر لبناء مطابخ صغيرة، بحيث تكون مجهزة بفتحات تهوئة مناسبة لتشتيت الدخان المنبعث جراء ايقاد الحطب، وعادة ما تبنى جوار المنازل حتى لا يتسبب الدخان في حالات اختناق لافراد الاسرة.

المساعدات تتحول مشكلة

مواطنون في المنطقة ابدوا تذمرا كبيرا عند سؤالهم عما اذا كانوا  حصلوا على مساعدات غذائية مقدمة من منظمات دولية  ..

بحسب المواطنين، فقد ابلغوا في شهر رمضان بوجود دفعة مساعدات في مدرسة بعيدة عن القرية، وعندما ذهبوا وجدوا انها عبارة عن كيس بر (50 كجم قمح) يوزع لكل ثلاث اسر ولعدد 15 اسرة فيما حرمت نحو 40 اسرة من هذه المنحة البائسة..

وفي عيد الاضحى قسمت السلة الغذائية البسيطة على اسرتين واحيانا على ثلاث بمحتوياتها البسيطة واغلب محتوياتها بكميات صغيرة غير قابلة للتجزئة والقسمة على اكثر من شخص، مما تسبب إلى حدوث مشاكل ونزاعات بين الأسر الفقيرة..

احد اعضاء لجنة الصرف والاشراف على توزيع المساعدات الغذائية المقدمة من مركز الملك سلمان الى المديرية، اكد ان مساعدات عيد الاضحى كانت شبه كافية بالنسبة للأسر المقيدة لديهم، لكنه أكد وجود تلاعب ومحاباة لبعض المراكز على حساب اخرى واستحواذ من قبل بعض النافذين والوسطاء في المديرية كحال مديريات اخرى، لافتا أنهم يواجهون صعوبات كثيرة في توزيع المساعدات ويعملون على تجاوزها بحدود المتاح، ضمانا لايصالها الى مستحقيها بشكل مجد..

حرب على الفقراء

وضاعف وطأة المعاناة القائمة في الارياف أن اوقفت جماعة الحوثي في صنعاء صرف مخصصات الرعاية الاجتماعية الزهيدة المقدمة من الحكومة كمعونات للاسر الفقيرة، اعتبارا من شهر يناير من العام الماضي.

ورغم ان المبلغ زهيد للغاية، الا انه يعني الكثير بالنسبة للاسر المعدمة والعمال الذين يكدحون بالاجر اليومي بشكل متقطع، وتساعدهم في بعض اعباء حياتهم، حتى ان بعض الاسر الفقيرة الصغيرة كانت تجد في تلك المعونة ما يسد رمق افرادها من المواد الغذائية الاساسية..

وينظر كثير من المستفيدين من مخصصات الرعاية الاجتماعية الى ايقاف مخصصاتهم  تنكيلا اضافيا بهم، خصوصا انها معونة معتمدة في الموازنة العامة للدولة ، ويناشدون المعنيين  صرف مخصصات العام الماضي المتاخرة على دفعات لتخفيف معاناتهم المعيشية المتفاقمة.

هواجس من تمدد الحرب

يبدي بعض الاهالي ارتياحا -على الاقل- لأن قراهم  لازالت آمنة تبعا لبعدها عن بؤر المواجهات، غير أنهم لا يخفون هواجسهم من تمددها يوما لتطال اريافهم لتلحق بقرى مديريات اخرى كصبر والمسراخ وحيفان والقبيطة والوازعية ومناطق أخرى.

 وعزز من ذلك الهاجس أن شهدت بعض مناطق ماوية مواجهات بين الحوثيين وافراد من المقاومة، تعرضت على اثره بعض القرى لقصف عنيف من قبل الحوثيين، فيما قصفت مقاتلات التحالف عددا من المنازل في مناطق متفرقة في اطار المديرية.

تلك المخاوف من تمدد رقعة جغرافيا الحرب تهدد سكان الارياف الهادئة بفقدان ما يعتبرونها ميزة يتيمة دونما امتياز، لتحل بديلا عنها اخطار الحرب المباشرة وتبعاتها المأساوية من القتل والدمار والنزوح الى المجهول.

الارياف.. بؤس مستدام

يجمع معظم سكان الارياف ان ظروف الحرب القائمة فاقمت معاناتهم القائمة في الوضع الطبيعي من انعدام الخدمات الاساسية، كالتعليم والصحة والمياه والكهرباء والطرقات والفقر وقلة الدخل وانعدام فرص العمل.

وفيما كان ينتظر هؤلاء حضور دولة لتخفف عنهم جانبا من  أوضاع مأساوية يعيشونها، وتحسن ظروف معيشتهم وحياتهم، حلت الحرب بديلا لتعزز حظوظ المعاناة والمآسي التي تلف مئات المعدمة وتضيق عليها اكثر خيارات الحياة والعيش الكريم..

طباعة

التعليقات

إضافة تعليق